الايام المصرية
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى
رئيس التحرير
رضـــا حبيشى

موضوع خطبة الجمعة اليوم 4 أبريل 2025 .. "فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ"

موضوع خطبة الجمعة
موضوع خطبة الجمعة

موضوع خطبة الجمعة .. يتسأل العديد من المسلمين عن موضوع خطبة الجمعة اليوم 4 أبريل 2025 وذلك بعد أن حددت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة ويأتي عنوان خطبة الجمعة "فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ"، ويقدم لكم موقع الأيام المصرية موضوع خطبة الجمعة خلال السطور التالية:

موضوع خطبة الجمعة 

ويأتي موضوع خطبة الجمعة كالتالي: "الحمدُ للهِ حمدًا يُوافِي نعمَهُ، ويُكافِىءُ مزيدَهُ، لك الحمدُ كما ينبغِي لجلالِ وجهِكَ، ولعظيمِ سلطانِكَ، والصلاةُ والسلامُ الأتمانِ الأكملانِ على سيدِنَا مُحمدٍ ﷺ، أمَّا بعدُ..

العنصر الأول من خطبة الجمعة القادمة 4 أبريل : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ، للدكتور محروس حفظي

(1) حثُّ الإسلامِ على الرفقِ باليتيمِ:

اليتيمُ مِن بنِي آدمَ هو مَن ماتَ أبوهُ، وهو دونَ سنِّ البلوغِ، سواءٌ كان ذكرًا أو أنثَى، ويستمرُ وصفُهُ باليتمِ حتّى يبلغَ، قَالَ عَلِيٌّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ، وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ» (أبو داود)؛ لأنَّ أباهُ هو الذي يؤدبُهُ، ويعلمُهُ، ويتعاهدُهُ بالتربيةِ ووالعنايةِ، ويآزرُهُ، ويدفعُ عنهُ الضررَ والأذَى، بموجبِ الفطرةِ التي جُبلَ عليهِا، فإذا فُقِدَ الأبُّ طمعتْ في الصغيرِ النفوسُ، وهانَ عندَ الخلقِ، ففقْدُ الأبِ أعْظَمُ مِن فقْدِ الأمِّ؛ لأنَّ الحاجةَ إليْهَا حاجةُ حنانٍ ودِفْءٍ عاطفِي، والحاجةُ إليْهَا قبلَ أنْ يستقلَّ الصَّغيرُ بنفسِهِ أكثرُ حتَّى يبدأَ في الاعتِمادِ على نفسِهِ.

موضوع خطبة الجمعة

إنَّ أحوجَ الناسِ إلى العنايةِ والاهتمامِ بهِم هُم اليتامى؛ فاليتيمُ قد انكسرَ قلبُهُ بفراقِ أبيهِ، فهو مهمومٌ محزونٌ يمضِي مع الناسِ، فيرَى كلَّ ابنٍ مع أبيهِ، يمسحُ عليهِ، ويحسنُ إليهِ، ويقفُ وحيداً فريداً كأنَّهُ يسائلُ أينَ أباه؟!، وأينَ الرحمةَ التي أسدَى إليهِ وأولاهُ؟!، ولذلك إذا أرادَ اللهُ بعبدِهِ الرحمةَ جاءَ إلى مثلِ هذا، فمسحَ على رأسِهِ، وجبرَ قلبَهُ، وأحسنَ إليهِ بالقولِ والعملِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ، وَالْمَرْأَةِ" (ابن ماجه)؛ فلليتيمِ حقٌّ ينبغِي أنْ يُحفظَ، ولذا قرنَ اللهُ في كتابهِ العزيزِ بينَ الأمرِ بالإحسانِ إلى اليتيمِ، وعبادةِ الخالقِ سبحانَهُ، فيا لهَا مِن مكانةٍ عظيمةٍ لليتامَى! فقالَ جلَّ وعلا:﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾.

ولم يكن الإحسانُ إلى اليتيمِ خاصاً بأمةِ المصطفَى ﷺ فحسب، بل لقد أمرَ اللهُ بذلكَ الأممَ مِن قبل، بل لقد أخذَ اللهُ هذا الأمرَ ميثاقاً جامعاً مِن بينِ المواثيقِ الجامعةِ التي أخذَهَا على بنِي إسرائيلَ، فقالَ تعالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾، وكان الأنبياءُ – عليهمُ السلامُ- جميعُهُم أهلَ رعايةٍ باليتيمِ، قال اللهُ مخبراً عن كفالةِ سيدِنَا زكريا للسيدةِ مريم بعدَ وفاةِ والدِهَا عمران: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

العنصر الثاني من خطبة الجمعة القادمة 4 أبريل : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ، للدكتور محروس حفظي

(2) وجوهُ الإحسانِ إلى اليتيمِ في الإسلامِ:

جاءَ الإسلامُ دينُ الرحمةِ والعطفِ والحنانِ؛ ليمسحَ عن هذا اليتيمِ دمعةَ عينهِ، وأسَى قلبَهُ، وتكاثرتْ النصوصُ الشرعيةُ في حثِّ المسلمينَ على كفالتِهِم، والحرصِ على رعايتِهِم، والإنفاقِ عليهِم، فما أحوجَ اليتيمَ إلى عنايةٍ مِن الرؤوفِ الرحيمِ، تَنتشلُهُ مِن تلكَ الوَحدةِ، وتجعلُ لهُ متنفسًا يُسرِّي بهِ عن نفسِهِ! فما أحوجَهُ إلى تشريعٍ حكيمٍ؛ يحفظُ عليهِ نفسَهُ، وترعَى لهُ مالَهُ، وتعدُّهُ رجلاً عاملاً في الحياةِ، ليس كَلاًّ على غيرِهِ، ولا عِبئًا على مجتمعِهِ، ولا عنصرَ شرٍّ يَنفُثُ سمومَهُ في أمثالِهِ الأطفالِ، ولذا تعددت مظاهرُ الإحسانِ إلى اليتيمِ في الإسلامِ، ومنهَا:

أولاً: دفعُ المضارِ عن اليتيمِ: حيثُ أمرَ اللهُ – سبحانَهُ- وليَّ اليتيمِ والوصِي على مالِهِ بالمحافظةِ على هذا المالِ محافظةً تامةً كاملةً فقالَ تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾، وأمرَ اللهُ وليَّ اليتيمِ أيضاً بأنّهُ إذا ما أحسَّ الرشدَ، وحسنَ التصرفِ عندَ هؤلاءِ اليتامَى، ورأى أنّهُم أصبحُوا قادرينَ على تصريفِ شئونِهِم، وتدبيرِ أحوالِهِم، والمحافظةِ على أموالِهِم، أمرَهُ اللهُ أنْ يسارعَ بردِّ الأموالِ كاملةً وافرةً غيرَ منقوصةٍ فقال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾.

وتأمل هذا التذييلَ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ الذي فيه وعيدٌ شديدٌ لكلِّ جاحدٍ لحقِّ غيرِهِ، ولكلِّ معتدٍ على أموالِ الناسِ وحقوقِهِم، ولا سيّمَا اليتامَى الذين فقدوا الناصرَ والمعينَ، ويكأنَّ اللهَ يقولُ: فإنَّكُم إنْ أفلتم مِن حسابِ الناسِ في الدنيا فلن تفلتوا مِن حسابِ اللهِ الذي لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلّا أحصاهَا، فعليكُم أنْ تتحرُّوا الحلالَ في كلِّ تصرفاتِكُم.

ولذا عدَّ الشارعُ الحكيمُ الاعتداءَ على مالِ اليتيمِ مِن كبائرِ الذنوبِ، فقالَ تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾؛ وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلاَتِ" (البخاري).

كما أنَّ كلَّ إنسانٍ يسوؤُهُ أنْ يُتعرَّضَ لأولادِهِ الصغارِ بسوءٍ مِن أكلِ مالٍ أو تفريطٍ فيهٍ أو غيرِ ذلكَ، فكذلكَ يجبُ على وليِّ اليتيمِ أنْ يتَّقي اللهَ في مالِ اليتيمِ، فيعملُ فيهِ ما يحبُّ أنْ يُعْمَلَ في أموالِ أولادِهِ الصِّغارِ بعدَ وفاتِهِ قالَ سبحانَهُ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا﴾، فالخطابُ في الآيةِ للأوصياءِ حيثُ أُمرُوا بأنْ يخافُوا اللهَ على مَن في حجورِهِم مِن اليتامَى، ويشفقُوا عليهِم، خوفهُم على ذريتِهِم لو تركوهُم ضعافاً وشفقتهُم عليهِم، وأنْ يقدِّرُوا ذلك في أنفسِهِم ويصوِّروهُ حتى لا يجسرُوا على خلافِ الشفقةِ والرحمةِ، و”القولُ السديدُ”: أنْ لا يؤذُوا اليتامى، ويكلموهُم كما يكلمونَ أولادَهُم بالأدبِ الحسنِ والترحيبِ.

تابع/ خطبة الجمعة القادمة 4 أبريل : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ، للدكتور محروس حفظي

ثانياً: جلبُ المنفعةِ لهُ بكلِّ وسيلةٍ مشروعةٍ: أعلَى اللهُ – سبحانَهُ- في القرآنِ الكريمِ مِن شأنِ اليتيمِ، ويبينُ أنَّ جلبَ المنفعةِ لهُ مِن خصالِ الصالحينَ والأنبياءِ – عليهمُ السلامُ- وفي قصةِ موسَى مع الخضرِ يتكلفُ العبدُ الصالحُ ببناءِ جدارٍ، والبناءُ يتحملُ فيهِ الإنسانُ مشقةً وعنتاً، ثُمَّ بعدَ ذلك يعللُ ويقولُ: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾، فحُفِظُ مالِ الغلامينِ بسببِ صلاحِ أبيهمَا، فاللهُ عزَّ وجلَّ- يأمرُنَا بأنْ نرعَى مالَ اليتيمِ، وأنْ نحفظَهُ، فإذا بلغَ رشدَهُ دفعنَاهُ إليهِ بل ندبنَا – سبحانَهُ- أنْ نشهدَ عليهِ؛ لاستيثاقِ الحقوقِ وعدمِ جحدِهَا فقالَ تعالى:﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾.

ثالثاً: عدمُ الإساءةِ لليتيمِ في الجانبِ النفسِي: الشارعُ الحكيمُ لم يولِّ العنايةَ باليتيمِ ليس في الجانبِ المادِي فحسب، بل راعى ذلك أيضاً في الجانبِ النفسِي، فاللهُ – سبحانَهُ- خاطبَ أفضلَ عبادِهِ، وأشرفَهُم منزلةً عندَهُ ﷺ في سياقِ تعدادِ نعمِهِ عليهِ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، وأعظمُ ما يكونُ القهرُ لليتيمِ إذا جاءَ في شدةِ الحاجةِ، فصفعتَهُ على وجههِ، وخيبتَ أملَهُ حيثُ يلتجىءُ إليكَ بعدَ اللهِ– سبحانَهُ- أنْ تفرجَ كربتَهُ، وأنْ تحسنَ إليهِ، والأملُ منعقدٌ بكَ، وإذا بكَ تخيبُ أملَهُ، وتردَّهُ، فذلك أعظمُ ما يكونُ مِن القهرِ وهو قادرٌ على أنْ يقومَ بحاجتِهِ.

ومِن صورِ قهرِ اليتيمِ التي أخبرَ عنهَا القرآنُ الكريمُ: “عدمُ إكرامِهِ”؛ لأنَّ الناسَ– غالباً- يكرمونَ من يرجونَ خيرَهُ في الدنيا، ولذا مَن ضعفَ إيمانُهُ، وخبثَ نفسُهُ، فإنّهُ لا يكرمُ اليتيمَ؛ إذ بنظرتهِ الماديةِ القاصرةِ يظنُّ أنّهُ لن يستفيدَ مِن هذا اليتيمِ، يقولُ تعالَى مصوراً حالَ هؤلاءِ وذامًّا لهم: ﴿كَلَّا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾، ومِن قهرِ اليتيمِ أيضاً: “دفعُهُ وعدمُ المبالاةِ بهِ أو الاهتمامِ بشؤونِهِ”، وذمُّهُ، وقد جعلَ اللهُ فعلَ هذا مِن لوازمِ التكذيبِ بيومِ الوعيدِ فقالَ تعالى:﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾.

وإذا كان التعرُّضُ لمالِ اليتيمِ بسوءٍ كبيرةً مِن كبائرِ الذُّنوبِ، فالتعرُّضُ لهُ بالأذَى مِن ضرْبٍ وشتمٍ ونَحوهُ أشدُّ حرمةً، فيحْرُمُ إذلالُ اليتيمِ والتَّسلُّطُ عليْهِ، والتَّعرُّضُ لهُ بشيءٍ يسوءهُ بغيرِ حقِّ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ﴾، والنهيُ عن قهْرِهِ أمرٌ بالإحسانِ إليهِ وإدْخالِ السُّرورِ عليهِ، ولهذا كان المسحُ على رأسِ اليتيمِ عبادةً، وكذا كفالةُ اليتيمِ، فهل تريدُ أيُّها العاقلُ أنْ تكونَ جوارَ رسولِ اللهِ ﷺ في الجنةِ؟ وأيُّ شرفٍ ومنزلةٍ؟ ومَن منَّا لا يرغبُ في هذه المكانةِ؟ فعن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَنَا وَكَافِلُ اليَتِيمِ فِي الجَنَّةِ هَكَذَا" وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالوُسْطَى (البخاري).

فانظرْ إلى هذا الشرفِ! فإنَّ أيَّ كافلِ يتيمٍ يقفُ في الجنةِ بجوارِ رسولِ اللهِ ﷺ، فيا لهُ مِن شرفٍ! فكافِلُ اليتيمِ مع النَّبيِّ ﷺ في الجنَّةِ وبحضرتِهِ، غيرَ أنَّ كلَّ واحدٍ منهمَا لهُ درجتُهُ الخاصَّةُ بهِ، إذ لا يبلُغُ درجةَ الأنبِياءِ غيرُهُم، ولهذا فرَّجَ النَّبيُّ ﷺ بينَ السبَّابةِ والوسْطَى، فيُفْهَمُ مِن الجمعِ بيْنهمَا المعيَّةُ والحضورُ، ويُفْهَمُ مِن التَّفريجِ التَّفاوتِ أنَّ كلُّ واحدٍ منهُما بِمنزلتِهِ ودرجتِهِ، قالَ الإمامُ ابنُ بطالٍ: "حقٌّ على مَن سمعَ هذا الحديثَ أنْ يعملَ بهِ ليكونَ رفيقَ النبيِّ ﷺ في الجنةِ، ولا منزلةً في الآخرةِ أفضلُ مِن ذلكَ" أ.ه. ثم قال ابنُ حجرٍ: "وفيهِ إشارةٌ إلى أنَّ بينَ درجةِ النبيِّ ﷺ وكافلِ اليتيمِ قدرُ تفاوتٍ ما بينَ السبابةِ والوسطَى" أ.ه.

ولنعلمْ أنَّ المرادَ بكافِلِ اليتيمِ القائمُ بأُمورهِ مِن نفقةٍ وكسوةٍ وتأْديبٍ مِن مالِ الكافِلِ، وكذلك عن طريقِ الجمعيَّاتِ الخيريَّةِ الموثوقةِ، بحيثُ يدفعُ الإنسانُ أموالاً ينفَقُ بها على اليتيمِ، ويربَّى حتى يبلغَ، ويدخلُ أيضاً في كفالةِ اليتيمِ مَن يربِّي اليتيمَ ويُنفقُ عليهِ مِن مالِ اليتيمِ نفسِهِ، قال الإمامُ النَّوويُّ – رحِمَهُ اللهُ-: "كافِلُ اليتيمُ القائمُ بأمورِهِ، مِن نفقةٍ وكسْوةٍ، وتأْديبٍ وتربيةٍ، وغيرِ ذلكَ، وهذه الفضيلةُ تحصُلُ لِمَن كفلَهُ مِن مالِ نفسِهِ أو مِن مالِ اليتيمِ بولايةٍ شرعيَّةٍ". أ.ه.

تابع/ خطبة الجمعة القادمة 4 أبريل : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ، للدكتور محروس حفظي

رابعاً: أمرَ اللهُ – عزَّ وجلَّ- بالإحسانِ إلى اليتيمِ، وحسنِ تربيتِهِ: لمَّا أنزلَ اللهُ سبحانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾، شقَّ ذلكَ على أصحابِ النبيِّ ﷺ، والآيةُ فيهَا زجرٌ وتهديدٌ، ووعيدٌ شديدٌ لِمَن يأكلُ أموالَ اليتامَى، وقد كان مَن كان عندهُ يتيمٌ في حجرهِ يعزلُهُ بمالِهِ بمأكلِهِ بملبسِهِ، فلم يخالطْهُ، فأنزلَ اللهُ فيهِ رفعاً للحرجِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِح﴾؛ فأوجبَ اللهُ على الأمِّ والأوصياءِ على الأيتامِ الإحسانَ إلى اليتيمِ بالتربيةِ والرحمةِ، ومِن ذلك: تعليمُهُ كتابَ اللهِ، وسنةَ رسولِهِ ﷺ، والفقهَ في الدينِ، وإبعادُهُ عن جلساءِ السوءِ، وحثُّهُ على الرفقةِ الصالحةِ، وتعليمُهُ الأخلاقَ الكريمةَ والآدابَ الحسنةَ، وليعلم كافلُ اليتيمِ أنَّ الإنفاقَ عليهِ، وتعليمَهُ بابٌ عظيمٌ مِن أبوابِ الرزقِ في الدنيا والآخرةِ، قال ﷺ: “مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ عَنْهُ، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ” (أحمد).

وقد زخرَ التاريخُ الإسلامِيُّ بذكرِ كثيرٍ مِن النماذجِ المشرقةِ لصغارٍ عاشوا حياةَ اليتمِ، ونفعَ اللهُ بهم، وأصبحوا مِن علماءِ الأمةِ، وجهابذةِ العلمِ، ومِن هؤلاءِ: الإمامُ الشافعيُّ – رحمَهُ اللهُ-، فقَدَ أباهُ وهو دونَ العامينِ، فنشأَ في حجرِ أُمِّهِ في قلةٍ مِن العيشِ، وضيقٍ مِن الحالِ، يقولُ: “كنتُ يتيمًا في حجرِ أمِّي”، ولم يكنْ معهَا ما تعطِي المعلمَ، وكان المعلمُ قد رضيَ منِّي أنْ أخْلفَهُ إذا قامَ، وقد حفظَ القرآنَ، وجالسَ العلماءَ، حتى سادَ أهلَ زمانِهِ.

ومنهم أيضاً: الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ – رحمَهُ اللهُ- ماتَ والدُهُ وهو حملٌ في بطنِ والدتِهِ، وعاشَ حياةَ فقرٍ وفاقةٍ، فحضنتهُ أمُّهُ وأدبتهُ، وأحسنتْ تربيتَهُ، قال -رحمَهُ اللهُ-: “كانت أمِّي توقظنِي قبلَ الفجرِ بوقتٍ طويلٍ، وعمرِي عشرُ سنين، وتدفئُ لِي الماءَ في الشتاءِ، ثم نصلِّي أنا وإيَّاهَا ما شئنَا مِن صلاةِ التهجدِ، ثم تنطلقُ بِي إلى المسجدِ في طريقٍ بعيدٍ مُظلمٍ مُوحشٍ لتصلِّي معي صلاةَ الفجرِ في المسجدِ، وتبقَى معي حتى منتصفِ النهارِ تنتظرُ فراغِي مِن طلبِ العلمِ وحفظِ القرآنِ”.

ومنهم كذلك الإمامُ البخارِي صاحبُ " الجامعِ الصحيحِ"، فقد نشأَ يتيمًا في صغرِهِ، وقرأَ على ألفِ شيخٍ، وصنّفَ كتابَهُ الصحيحَ، وغيرَهُ مِن الكتبِ النافعةِ، فرضيَ اللهُ عنهُم أجمعين، ولنسرْ على هذا الدربِ والنهجِ في التعاملِ مع هؤلاءِ الضعفاءِ؛ حتى يخرجَ مِن هؤلاءِ اليتامَى مَن ينفعُ اللهُ بهِ دينَهُ ووطنَهُ وأمتَهُ.

العنصر الثالث من خطبة الجمعة القادمة 4 أبريل : فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ، للدكتور محروس حفظي

موضوع خطبة الجمعة

(3) كيفَ حالُنَا مع اليتيمِ اليوم؟!:

ألم نفكرْ يوماً مِن الأيامِ في حالِ هؤلاءِ الأطفالِ المساكين وحاجتِهِم لتعويضِ هذا الحرمانِ؟! ألم ننظرْ لحالِهِم وهم يجلسونَ، وقد ملأَ الحزنُ نفوسَهُم، والأسَى يقطعُ قلوبَهُم؟! فكم مِن يتيمٍ ينشدُ مَن يقومُ برعايتِهِ، ويسعَى في مصلحتِهِ، ويمسحُ على وجهِهِ ورأسِهِ، ويخففُ عنهُ بؤسَهُ وحزنَهُ، يتطلعُ إلى مَن يرعَى حاجاتِهِ ألَا تعلمُ أيُّها المسلمُ أنَّ إطعامَ الأيتامِ سببٌ لدخولِ الجنةِ، قالَ تعالى:﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾؛ ولذا وردَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ بنَ الخطابِ – رضي اللهُ عنهما-: “كان لا يأكلُ طعامًا إلَّا وعلى خوانِهِ يتيمٌ” (الأدب المفرد) بل هو مِن أعظمِ أسبابِ النجاةِ مِن عذابِ الآخرةِ، واجتيازِ الصراطِ بيسرٍ، قالَ تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾.

كما أنَّ المسحَ على رأسِ اليتيمِ، وتطييبَ خاطرِهِ، يرققُ القلبَ، ويزيلُ عنهُ القسوة، فعن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ، فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ، وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ" (أحمد)، فمَن مسحَ يدَهُ على رأسِ يتيمٍ للتلطُّفِ بهِ والرحمةِ إليهِ، أو دَهَنَ رأسَهُ أو سترَ رأسَهُ حسبةً للهِ، يكونُ ثوابُهُ كما جاءَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا لِلَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مَرَّتْ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ، وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ، وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى" (أحمد).

لقد كان المعصومُ ﷺ يشفقُ على اليتامى، ويخففُ مِن آلامِهِم، ويرحمُ ضعفَهُم؛ فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قَالَ: مَرَّ بِنَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى دَابَّةٍ وَنَحْنُ صِبْيَانٌ نَلْعَبُ، فَقَالَ: "ارْفَعُوا هَذَا إِلَيَّ" قَالَ: فَحَمَلَنِي أَمَامَهُ، ثُمَّ مَسَحَ عَلَى رَأْسِي ثَلاثًا، وَقَالَ كُلَّمَا مَسَحَ: "اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي وَلَدِهِ" (أحمد).

أيُّها الأحباب: الإحسانُ إلى اليتيمِ يدلُّ على سلامةِ القلبِ، وحسنِ الفطرةِ، ويُساهمُ في بناءِ مجتمعٍ متماسكٍ، مترابطٍ، سليمٍ خالٍ مِن الحقدِ والكراهيةِ، وتسودُهُ روحُ المحبةِ والودِّ، ولذا كان أطيبُ المالِ ما أُعطيَ منهُ اليتيم، فعن أبي سعيدٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِب المُسلِم مَا أَعْطى مِنهُ المِسْكِينَ واليَتِيمَ وابْنَ السَّبِيلِ" (متفق عليه).

وقد كان مِن هديِ النبيِّ ﷺ الإحسانُ إلى اليتيمِ وعدمُ قهرهِ وذلهِ، فهذه زوجةُ جعفرِ بنِ أبي طالبٍ رضي اللهُ عنه بعدَ أنْ استشهدَ زوجُهَا في مؤتةَ، وجعلتْ تشكُو إلى النبي ﷺ ما حلَّ بأولادِ جعفرٍ مِن يُتمٍ، فقال لها ﷺ: "الْعُيلْةَ تَخَافِينَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ" (أحمد)، وكذا سارَ صحابتُهُ الكرامُ على هذا المنهجِ الإنسانِي في رعايةِ اليتيمِ، وحسنِ معاملتِهِ، فعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى السُّوقِ، فَلَحِقَتْ عُمَرَ امْرَأَةٌ شَابَّةٌ، فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هَلَكَ زَوْجِي وَتَرَكَ صِبْيَةً صِغَارًا، وَاللَّهِ مَا يُنْضِجُونَ كُرَاعًا، وَلاَ لَهُمْ زَرْعٌ وَلاَ ضَرْعٌ، وَخَشِيتُ أَنْ تَأْكُلَهُمُ الضَّبُعُ – أي: "السَّنة المجدبة"-، وَأَنَا بِنْتُ خُفَافِ بْنِ إِيْمَاءَ الغِفَارِيِّ، وَقَدْ شَهِدَ أَبِي الحُدَيْبِيَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَوَقَفَ مَعَهَا عُمَرُ وَلَمْ يَمْضِ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِنَسَبٍ قَرِيبٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَعِيرٍ ظَهِيرٍ كَانَ مَرْبُوطًا فِي الدَّارِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ غِرَارَتَيْنِ مَلَأَهُمَا طَعَامًا، وَحَمَلَ بَيْنَهُمَا نَفَقَةً وَثِيَابًا، ثُمَّ نَاوَلَهَا بِخِطَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتَادِيهِ، فَلَنْ يَفْنَى حَتَّى يَأْتِيَكُمُ اللَّهُ بِخَيْرٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَكْثَرْتَ لَهَا؟ قَالَ عُمَرُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى أَبَا هَذِهِ وَأَخَاهَا، قَدْ حَاصَرَا حِصْنًا زَمَانًا فَافْتَتَحَاهُ، ثُمَّ أَصْبَحْنَا نَسْتَفِيءُ سُهْمَانَهُمَا فِيهِ» (البخاري).

فلنوقنْ ولنفقْ أنَّ مقتضياتِ الإيمانِ الكاملِ تحقيقُ “البرِّ” ولن يتمَّ ذلكَ إلّا مِن خلالِ الإحساسِ بالآخرين، ومراعاةِ متطلباتِهِم قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾، فالأيتامُ يمثلونَ نقطةً مُضيئةً بالحسناتِ، مِن ربِّ الأرضِ والسمواتِ، وذلكَ لمَن نَظَرَ بعينِ قلبِهِ، وألقَى سمعَهُ إلى أمرِ اللهِ، وبيانِ رسولِهِ ﷺ وكان حسُّهُ الإيمانيُّ حاضرٌ لا يغيبُ، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "ابْغُونِي ضُعَفَاءَكُمْ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ" (الترمذي وحسنه).

أخي الكريم: إنَّ الإسلامَ الحنيفَ قد أحاطَ اليتيمَ بجملةٍ مِن الحقوقِ منهَا: "حرمةُ مالِهِ"، و "حرمةُ قهرِهِ"، وكفلَ لهُ "حقَّ الإطعامِ لليتيمِ إنْ كان محتاجاً"، و "حقَّ الإيواءِ"، و "حفظَ الميراثِ حتى بلوغِ سنَّ الرشدِ". فحَقُّ الْيَتِيْمِ فِي الرِّعَايَةِ وَالعِنَايَةِ أَكَّدَهُ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى وَسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ، فَعَلَى كَافِلِ الْيَتِيْمِ أَنْ يُحْسِنَ إِلَيْهِ كَإِحْسَانِهِ إِلَى بَقِيَّةِ أَوْلاَدِهِ يقول تعالى: ﴿وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾؛ وجعلَ ﷺ خيرَ البيوتِ البيتَ الذي فيهِ يتيمٌ يكرمُ؛ وشرَّهَا البيتُ الذي فيهِ يتيمٌ يهانُ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ" (ابن ماجه).

اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ أنْ تحفظَ دينَنَا الذي هو عصمةُ أمرِنَا، ودنيانَا التي فيهَا معاشُنَا، وآخرتَنَا التي إليها مردُّنَا، وأنْ تجعلَ بلدَنَا مِصْرَ سخاءً رخاءً، أمناً أماناً، سلماً سلاماً وسائرَ بلادِ العالمين، وأنْ توفقَ ولاةَ أُمورِنَا لِمَا فيهِ نفعُ البلادِ والعبادِ.

تم نسخ الرابط